ماذا يخفي الاحتلال خلف تكرار مزاعم "عسكرة مستشفيات غزة"؟

ماذا يخفي الاحتلال خلف تكرار مزاعم
تقارير وحوارات


غزة / معتز شاهين:
تُعيد إسرائيل طرح اتهاماتها بشأن استخدام المستشفيات في قطاع غزة لأغراض عسكرية، في وقت تثير فيه هذه الرواية تساؤلات حول وظيفتها السياسية والإعلامية، وما إذا كان تكرارها يمكن أن يمهّد لتبرير استهداف ما تبقى من المنظومة الصحية، أو يفتح الباب أمام المساس بالحماية المقررة للمنشآت الطبية بموجب القانون الدولي، في ظل عدم إخضاع هذه الادعاءات لتحقق مستقل معلن.
وتأتي إعادة فتح هذا الملف فيما تعاني مستشفيات القطاع من استنزاف شديد وتراجع حاد في إمكاناتها التشغيلية، ما يجعل أي تصعيد جديد ضدها تهديدًا مباشرًا للقدرة المتبقية على تقديم الرعاية للمرضى والجرحى.
ويرى محللون سياسيون تحدثوا لـ"الاستقلال"، أن خطورة الخطاب الإسرائيلي لا تتوقف عند تداعياته الميدانية المحتملة، وإنما تمتد إلى قدرته على إعادة تشكيل النقاش الدولي حول المستشفيات في غزة، عبر نقل الاهتمام من حماية المرضى والطواقم والمنشآت الطبية إلى الادعاءات المتعلقة بما يجري داخلها، بما قد يحول الاتهامات التي تحتاج إلى إثبات وتحقق إلى مبررات مسبقة لأي تحرك عسكري.
من جهتها، حذرت وزارة الصحة في غزة، على لسان متحدثها خليل الدقران، من أن إعادة ترويج إسرائيل لاتهمات وجود أسلحة داخل المستشفيات ليست سوى "ذريعة كاذبة" للتمهيد لاستهداف ما تبقى من القطاع الصحي مع دخول الحرب عامها الثالث.
ونفى الدقران، خلال مؤتمر صحافي، تلك المزاعم جملة وتفصيلاً، موضحاً أن المرافق الطبية المتبقية لا تضم سوى مرضى وجرحى وكوادر تعمل في ظروف شديدة القسوة، وتواجه نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الأساسية، بعد أن أدت الهجمات المتواصلة إلى تدمير معظم المستشفيات وإخراجها عن الخدمة.
عسكرة الصحة
وترى الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن إعادة فتح ملف المستشفيات في هذا التوقيت ترتبط، بدرجة كبيرة، بمحاولة إسرائيل مواجهة التأثير المتزايد لخطاب وزارة الصحة في غزة على الرأي العام الدولي، خصوصًا في ما يتعلق بالقيود المفروضة على إدخال المستلزمات والأجهزة الطبية، وخروج المرضى للعلاج، فضلًا عن الهجمات التي طالت منشآت صحية خلال الحرب.
وتقول عودة لـ"الاستقلال"، إن إسرائيل، في مواجهة هذه الرواية، تتجه إلى تقديم خطاب يقوم على "عسكرة العمل الصحي"، عبر ربط المستشفيات والمرافق الطبية بوجود عناصر أو أسلحة، بما يوفر مبررات لأي انتقادات دولية تتعلق باستهداف القطاع الصحي أو تقييد وصول الإمدادات الطبية.
وتضيف أن إعادة ضخ هذه الاتهامات لا ينبغي فصلها عمّا شهدته مستشفيات قطاع غزة خلال الحرب، معتبرة أن الخطاب الإسرائيلي قد يتحول إلى تمهيد إعلامي لسيناريوهات مستقبلية، من بينها استهداف منشآت صحية بالقصف الجوي أو المدفعي، تحت ذريعة استهداف عناصر من المقاومة داخلها أو مرورهم عبرها.
وترى المحللة السياسية أن خطورة هذا الخطاب تكمن في محاولة نقل النقاش من حماية المرضى والطواقم والمنشآت الطبية إلى طبيعة النشاط المفترض داخل المستشفى، بما قد يسهم في نزع الصفة الإنسانية عن القطاع الصحي الفلسطيني وتقليص مساحة التعاطف الدولي مع المرضى والأطباء.
وفيما يتعلق بتكرار الحديث الإسرائيلي عن وجود أسلحة داخل المستشفيات، تشكك عودة في إمكانية التعامل مع هذه الادعاءات باعتبارها حقائق مثبتة، مشيرة إلى عدم وجود ما وصفته بـ"أدلة عملية ومادية" معلنة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.
وتلفت إلى أن وزارة الصحة في غزة أعلنت في مناسبات عدة استعداد المستشفيات لعمليات الفحص والتدقيق من قبل مؤسسات صحية دولية، معتبرة أن فتح المنشآت أمام جهات مستقلة للتحقق من الادعاءات يمكن أن يشكل اختبارًا مباشرًا للروايتين الفلسطينية والإسرائيلية.
وفي قراءة أوسع للخطاب الإسرائيلي، تقول عودة إن ما يحدث يمثل نمطًا سبق أن ظهر خلال الحرب، يقوم على ربط الطبيب الفلسطيني والمنشأة الصحية بالنشاط العسكري، بما يمنح جيش الاحتلال مساحة أوسع لتبرير استهداف أي منشأة صحية في حال اعتبرها هدفًا عسكريًا.
لكنها في الوقت ذاته تشير إلى نقطة مهمة تتعلق بطبيعة المستشفيات نفسها، باعتبارها أماكن عامة مفتوحة أمام جميع المواطنين، بمن فيهم أفراد المقاومة، موضحة أن وجود مصابين من عناصر المقاومة داخل المستشفيات لا يعني بالضرورة استخدام المنشأة طبيًا لأغراض عسكرية، ولا يسقط عنها الحماية المقررة للمنشآت الطبية.
وتستند عودة في ذلك إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية الجرحى والمرضى، مشيرة إلى أن اتفاقيات جنيف تنص على احترام وحماية الجرحى والمرضى وتقديم العلاج لهم دون تمييز.
وتخلص المحللة السياسية إلى أن السؤال الأبرز لا يتعلق فقط بصحة الاتهامات الإسرائيلية، وإنما بالوظيفة السياسية والإعلامية لإعادة طرحها في هذا التوقيت، وما إذا كانت تشكل محاولة لإعادة بناء رواية تبرر استهداف القطاع الصحي أو تقييد عمله، خصوصًا بعد أن أصبح الوضع الإنساني والصحي في غزة أحد أبرز الملفات التي تحظى باهتمام دولي.
مخاطر الاتهامات
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة أن مجرد ادعاء إسرائيل امتلاك معلومات بشأن استخدام مستشفى لأغراض عسكرية لا يعني تلقائيًا أن المنشأة أصبحت هدفًا عسكريًا مشروعًا، مشددًا على أن المستشفيات تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن أي ادعاء بشأن فقدان هذه الحماية يحتاج إلى التحقق من الوقائع والظروف المحيطة به.
ويقول أبو رحمة لـ"الاستقلال" إن استهداف ما تبقى من المستشفيات في قطاع غزة لن تقتصر تداعياته على الجانب العسكري، بل سيمس بصورة مباشرة قدرة المنظومة الصحية على تقديم العلاج للمرضى والجرحى، في ظل ما تعانيه أصلًا من تراجع حاد في قدراتها وإمكاناتها.
ويحذر من أن الخطر في تكرار الاتهامات الإسرائيلية يكمن في تحولها من ادعاءات تحتاج إلى التحقق إلى مبررات سياسية وإعلامية لعمل عسكري، موضحًا أن التعامل مع أي معلومات بشأن استخدام منشأة صحية لأغراض عسكرية ينبغي أن يخضع لتحقيق مستقل، بدل أن يصبح الاتهام بحد ذاته أساسًا لاتخاذ قرار بالاستهداف.
ويشير إلى أن استمرار الحديث عن وجود مسلحين أو أسلحة داخل المستشفيات من دون تقديم أدلة واضحة وقابلة للتحقق قد يؤثر في طبيعة النقاش الدولي حول حماية هذه المنشآت، ويهيئ الرأي العام لتقبل إجراءات عسكرية بحقها قبل التثبت من طبيعة الادعاءات ومدى صحتها.
وفي المقابل، يؤكد أبو رحمة أن تكرار هذه الاتهامات لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة إسرائيلية جديدة لاستهداف المستشفيات، لكنه يرى أن التعامل معها يتطلب آليات تحقق ومراقبة مستقلة تحول دون استخدام معلومات غير مثبتة أساسًا لعمليات عسكرية محتملة.
ويشدد على أن حماية المنشآت الطبية والطواقم والمرضى تظل أولوية، مع ضرورة الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد التي تحظر استخدام المنشآت الطبية لأغراض عسكرية. ويرى أن التحدي لا يقتصر على منع استهداف جديد للمستشفيات، وإنما يتمثل أيضًا في ضمان عدم تحول الاتهامات غير المثبتة إلى غطاء سياسي وإعلامي لأي عمليات عسكرية محتملة ضد القطاع الصحي.

 

التعليقات : 0

إضافة تعليق